الشيخ محمد رشيد رضا
260
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
خلاف يعرض لهم والبحث عن وجه الحق فيه بلا تعصب ولأمراء ، حتى إذا ما ظهر لهم أجمعوا عليه ، وإذا هو لم يظهر لبعضهم ثابر من لم يظهر له على تطلابه باخلاص لا يعادى فيه أحدا ، ولا يجعله ذريعة لتفريق الكلمة طريق الحق هو الوحدة والاسلام ، وطرق الشيطان هي مثارات التفرق والخصام ، وهي معروفة في كل الأمم ، ولكن الشيطان يزين طرقه ويسول للناس المنافع والمصالح في التفرق والخلاف ، فقد كانت يهود أمة واحدة مجتمعة على كتاب واحد هو صراط اللّه فسول لهم الشيطان فتفرقوا وجعلوا لهم مذاهب وطرقا ، وأضافوا إلى الكتاب ما أضافوا ، وحرفوا من كلمه ما حرفوا ، واتبعوا السبل فتفرقت بهم عن سبيل اللّه ، حتى حل بهم الهلاك والدمار ، ومزقوا كل ممزق . وكذلك فعل غيرهم ، كأنهم رأوا دينهم ناقصا فكملوه ، وقليلا فكثروه ، وواحدا فعددوه ، وسهلا فصعبوه ، فثقل عليهم بذلك فوضعوه ، فذهب اللّه بوحدتهم ، حتى لم تغن عنهم كثرتهم ، وسلط عليهم الأعداء ، وأنزل بهم البلاء ، ( 40 : 85 سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ « * » هذا هو المتبادر من خطوات الشيطان في هذا المقام . ومن خطواته طرق الفواحش والمنكرات كلها ولذلك قال تعالى في سورة النور ( 24 : 21 وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) وأما كون الشيطان عدوا مبينا فذاك ان جميع ما يدعو اليه ظاهر البطلان بين الضرر لمن تأمل وعقل ، فمن لم يدرك ذلك في مبدأ الخطوات أدركه في غايتها ، عندما يذوق مرارة مغبتها ، لا سيما بعد تذكير اللّه تعالى وهدايته عباده إلى ذلك ، فلا عذر لمن بلغته هذه الهداية إذا في علي ضلالته واستحب العمى على الهدى ولذلك قال عز شأنه * * * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي فان
--> ( * ) قد ذكرنا طريق الخروج من ظلمات الخلاف إلى نور الوحدة الاسلامية في مقالات المصلح والمقلد من المجلد الرابع من المنار وفيها رأي الغزالي في ذلك وقد طبعت في كتاب مستقل ثم زدناها بيانا وطعبت في كتاب سمي ( الوحدة الاسلامية )